عبد الكريم الخطيب
519
التفسير القرآنى للقرآن
كافر ، ومشرك ، وإن كان هو ينكر ذلك ، ولا يعترف به . . ولكن إذا مسه الضر ، وكربه الكرب ، أخذته صحوة كصحوة الموت ، وإذا نفسه قد أشرقت بنور الحق ، فعرف اللّه ومد يده إليه . . ولكن سرعان ما يخبو هذا النور ، ويطغى عليه ظلام كثيف ، حين تزال عنه هذه الغاشية ، وتزايله تلك الصحوة ، وإذا هو على ما عهد عليه نفسه من كفر وضلال . . . وقوله تعالى : « وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ » تقرير لهذه الحقيقة التي أشرنا إليها ، وأن الناس جميعا ، مؤمنهم وكافرهم على سواء في اللّجإ إلى اللّه ، والضراعة إليه ، حين ينزل بهم الضر ، ويحتويهم البلاء . . ثم تختلف بهم الحال بعد هذا ، كما كانت حالهم مختلفة من قبل . . فالمؤمنون على اتصال باللّه في السراء والضراء ، وعلى إيمان به وولاء له ، في اليسر والعسر . أما غير المؤمنين فإنهم لا يعرفون اللّه ، ولا يؤمنون به ، إلا حين تضطرب بهم سفينة الحياة ، ويغشاهم الموج من كل مكان . . هنالك يدعون اللّه مخلصين له الدين ، كما دعا فرعون ربه ، وآمن به حين أدركه الغرق ! . وقوله تعالى : « ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ » . تصوير لحال هؤلاء الكافرين باللّه ، حين يرفع عنهم البلاء ، وتتداركهم رحمة اللّه . . إنهم لا يكادون يخرجون من يد الهلاك ، حتى ينسوا ربهم الذي دعوه من قبل ، وكأنهم لم يكن بينهم وبينه شئ ! وفي العطف « بثم » بين الفزع إلى اللّه ، وبين الغوث ، واستجابة الدعاء ، إشارة إلى أنه ليس في كل غوث يغاث المستغيثون . . فذلك مرهون بتقدير اللّه وحكمته ، وفيما قضى به في عباده . .